السبت، ديسمبر 12، 2009

شرائط حمراء

ماذا أصف؟ وبماذا أبدأ؟
بعامل المحطة البترول والذي قص علينا بعيون ملئ بالدموع وبصوت مرتجف عن غرق اثنين من أصحابه؟
أم الشاب اللي صرخ علينا من نافذ سيارة بأن علينا العودة لأن البحيرة قد انفجرت؟ .
وقتها فكرت بالموت و سألت نفسي ماهي الفكرة الأخيرة, وسيارتنا أيضا غيرت مسارها!
بعد محادثة قصيرة مع من في السيارة, أدركت أن الشاب كان يقولها مازحا, وملامح وجهه كانت تدل على ذلك, ولا شيء بالجوار يشي بأن حدثا هائلا كهذا سيحدث.
الأحساس بعدم الأمان هو المسيطر علينا حينها.
دخلنا قويزة بعدها وبدأت المشاهد تتوالى ..
شيء يصعب على الوصف, كان معي كاميرا لكني آثرت ألا انشغل بالتصوير وأكتفي بالمشاهدة, المناظر رهيبة!
مجموعة دكاكين تجارية أبوابها مخلوعة, ومحتواها فارغ, لا تعرف منها الفرق بين البنشر عن المخبز!
أحواش هدمت أسوارها, وهذا منظر طبيعي هناك, فالغير طبيعي أن تجد سورا لم يتهدم كله, أو أجزاء منه, وبداخله سيارات غارقة في وحل, أو مستنقعات طينية هائلة قد تغرق رجلا الآن, وليس وقت الفيضان!
محل تجاري و اللوحة المتعلق ما بقي منها فوق دكان صغير تحته, وكومة من الطين, والأشجار, وأجزاء من سيارة, أو دراجة, أو حتى غسالة, تجدها داخله أو تسد مدخله!
لا يوجد شيء هناك بقي في مكانه!
محطة بترول جديدة, ربما شاهدها بعضكم في مقاطع اليوتيوب, وفيها بقالة, ومقهى لطلبات السيارات .. تأملتها بفم فاغر, وهلع حقيقي! المقهى حطمت السيول زجاجه, وأدواته, وأدخلت عليه الطين, وأغراض مجلوبة من أماكن بعيدة!
أما عن البيوت ماذا أقول عن البيوت؟ بيوت كانت تضج بالحياة, وبضجيج أطفالها, وسكانها الذين غمرتهم الفرحة, بهطول مطر يروي عطش جدة, فإذا بالمياه تغمرهم !
البيوت خاوية, و موحشة .. فهذا بيت حُطمت أبوابه, وذاك حطمت أسواره, وأُدخلت سيارة لتتكئ على نافذتهم! وأخرى ترى عند أبوابها سيارة نقل تنقل أثاثا تالفا من الغرق!
عدد كبير من الرجال, والعمالة في البيوت, والمحال, ومعهم عمال للتنظيف, لمشاهدة بيوتهم ومحلاتهم, أو ما تبقى منها!
مررنا على مدرسة ابتدائية للبنين, بابها مخلوع بالطبع, وفنائها يحتوي كل ما يمكن أن تتخيلوه, سيارات مقلبة, وأشجار, وأثاث, وأشياء لا تستطيع تحديد هويتها, وطين بالطبع يغمر كل هذا!
الشوارع معظمها مليئة بالماء وبعضها غارق والأحسن حالا تمتلئ طينا أو ترابا!
شاهدت أكثر من مرة, بانيو في محل, أو على جانب الطريق, أو في حوش! كما غسالات الملابس, و سيارات, أو أجزاء منها, أعتقد أنه شيء لا يوصف!
ماذا بقي لم أتحدث عنه؟ الإحساس الأليم والمر, أم الدموع التي كنت أمسحها, وأنا أشاهد كل هذا, وأستعيد ما شاهدته عبر اليوتيوب والقنوات من مشاهد الغرق وأتعرف على بعض أماكنها, وأذكر كم عدد تلك الأرواح البريئة التي رحلت يومها؟
حتى نوبة العطس الذي أصبت بها, نتيجة التحسس من الغبار, ومن ثم الروائح النتنة ؟
أم سؤال عزوز أخي الأصغر كم يوما احتاج السيل حتى يقتل كل هذه المساحة؟ وتوقعه للإجابة بأنها 100 يوم أو تزيد.


في طفولتي شاهدت آثار مدارس نجد, المحطمة بسبب صاروخ عراقي في حرب الخليج, عام 90 م .. بعد الانفجار بيوم أو اثنين تقريبا, ما أذكر منه ازدحام مروري .. مبنى محطم.. شرائط حمراء تحيط المبنى ... رجال شرطة..
وفندق الشيراتون إلى جانبه, والذي تهجيت حروفه بصعوبة ..
في طفولتي أيضا في المرحلة الابتدائية, شاهدت آثار انفجار العليا 95م شرائط حمراء تلف المبنى .. و رجال الشرطة .. وقد مر أسبوع على الحدث ..
ماذا بعد؟ شيء مأساوي يضاف إلى الذاكرة؟ آهـ غرق جدة .. اليوم ولو أن الوقت متأخرا لكنني شاهدت قويزة وعددا من المواقع المصابة!

و في عنق من؟

0 التعليقات:

إرسال تعليق